دعوة الى تصحيح المفهوم الايديولوجي الخاطيء للحضارة المغربية
Posté par tatou1 le 11 octobre 2010
دعوة الى تصحيح المفهوم الايديولوجي الخاطيء للحضارة المغربية
بقلم: الصافي مومن علـــي
مثلما كان الناس من قبل لا يدركون ان الشمس في حقيقيتها نجمة من نجوم السماء , بل كانوا يعتقدون ان الشمس شيء , والنجمة شيء اخر ,وانهما تختلفان في طبيعتهما وفي حجمهما , كذلك الكثير من الناس ما يزالون لحد الان يعتقدون ان الحضارة المغربية شيء , والحضارة الامازيغية شيء اخر , تتمايزان عن بعضهما في التكوين والمكون , غير انه مثلما لم يصل الناس الى ادراك حقيقة وحدة الشمس والنجمة الا بعد التخلي عن الثقافة الايديولوجية المفبركة , والنظر الى الامور بمنظار العقل والعلم , فان ادراك الوحدة العضوية القائمة بين الحضارة المغربية و الامازيغية , لا يحصل كذلك الا بشرط معرفة حقيقة الحضارة الامازيغية , معرفة واضحة ومتميزة , استناذا الى ا لاحكام الموضوعية للنهج العلمي والمنطقي .
فما هي اذن حقيقة مفهوم هذه الحضارة ؟
مما لاشك فيه أن أغلب الناس مواطنين كانوا او اجانب مثقفين او عوام , يجدون الجواب عن هذا السؤال منقوشا في ذاكرتهم على الشكل التالي:
((الحضارة الأمازيغية هي كل ما أنتجه المغاربة « الامازيغ » في الجبال والقرى النائية من رقصات واغاني وحكايات الجدات، وحلي، وأطعمة وأعراف وعادات وقصبات الصحراء وغير ذلك من الإنتاج المادي والغير المادي , الذي يطغى عليه في الغالب طابع الشفوية والصناعة الحرفية، مضاف اليه بعض الكتابات والإبداعات الحديثة التي أنتجها مثقفوا الحركة الثقافية الأمازيغية في عصرنا الراهن ))
وهذا الجواب الجاهز رسخ في الاذهان مفهوما مغلوطا عن الحضارة المغربية مفاده انقسام هذه الحضارة الى قسمين مختلفين :
حضارة امازيغية متخلفة وذات طابع بدوي مزمن , تنتمي في الغالب الى المغاربة « الامازيغ » ,
ثم حضارة عربية مدنية وراقية , تنتمي الى المغاربة « العرب »
ونتيجة لهذا المفهوم الايديولوجي الذي جرد الامازيغ من عطاء اية حضارة متطورة , فقد اعتاد الناس على الاعتقاد بان كل ما يوجد في بلادنا من مدن تاريخية كمراكش وفاس وشالة (الرباط) ووليلي وتينجيس (طنجة) وبناسا والصويرة وغيرها , وكل ما انتج فيها من عمران وثقافة راقية , لاعلاقة له بالشعب الامازيغي او بالحضارة الامازيغية , معتبرين انه من انتاج شعوب اخرى كانت بحسب تسلسل العصور , اما فينيقية او رومانية او عربية .
هذا وقد ظلت صورة هذا المفهوم تطبع عقلية شعبنا وتوجه سياساته لمئات السنين , الى ان ظهر في العصر الحديث مفهوم جديد للحضارة , يؤسس تصنيف هوية حضارات الشعوب عامة , على معيار الشعب والارض , وليس على معيار الدم والنسب العرقي , او على معيار اللغة والنمط الحضاري , المعتمد عليهما من طرف المفهوم السابق , فتوصل بهذا المعيار الموضوعي الى حقيقة الحضارة الامازيغية , تخالف جذريا ما سبق ان صاغه المفهوم القديم عنها من تعريف مغلوط .
وهذه الحقيقة كالتالي :
الحضارة الامازيغية هي كل ما انتجه الشعب الامازيغي من ثقافة مادية او غير مادية , في فترات استقلاله , على امتداد تاريخه كله , انطلااقا من نقائش وادوات العصر الحجري , الى بناء صرح مسجد الحسن الثاني في عصرنا الراهن .
ولما كان هذا المفهوم الجديد يؤسس فكرته على معيار الشعب الباني الفعلي للحضارة , فيرى من البديهي ان ينسب الى الشعب الامازيغي كل انواع الحضارة التي ثبت فعليا انه هو الذي بناها بمجهوده وعرق جبينه , في كل مراحل تاريخه , ويرى كذلك الموضوعية والانصاف تفرض ان تسمى باسمه هكذا الحضارة الامازيغية , على الرغم من اعتماده في بناءها على لغة اجنبية متبناة , او على نمط حضاري سائد , من منطلق تطبيق مباديء العدالة الكونية التي تؤكد اعطاء كل ذي حق حقه , وكذا عدم تشجيع الاختلاس الحضاري بين الشعوب , وسنده القوي في هذا هو بعض الشعوب التي تبني حاليا حضارتها على لغة اوروبية متبناة , وعلى النمط الحضاري الغربي السائد في العالم , مثل الشعب السينغالي في افريقيا , والشعب الهندي في اسيا , ذلك انه لا يعقل ان تسلب هذه الشعوب من حضارتها الحديثة , وتنسب اما الى الشعب الفرنسي , او الى الشعب الانجليزي , لا لشيء الا لان السينيغاليين او غيرهم بنوا حضارتهم الجديدة على اللغة الفرنسية , والهنود على اللغة الانجليزية .
اذن اذا استبعدنا في تصنيف الحضارة الامازيغية معياري اللغة المتباة , والنسب العرقي , المتجاوزين علميا وعالميا , واعتمدنا على معيار الشعب والارض الموضوعي , فان ذلك سيفضي بنا حتما الى قراءة جديدة لهذه الحضارة , والى اعادة تشكيل مراحلها التاريخية تشكيلا صحيحا كما يلي
:
أولا: ان الحضارة القرطاجية هي في حقيقتها هي حضارة أمازيغية , لأن الذي بناها هو الملك الأمازيغي (أيارباس) وخلفاؤه، وليس – كما يعتقد خطا – الأميرة الفينيقية (عليسا) او (ديدون) وأتباعها التي التجأت الى هذا الملك القوي لحمايتها من أخيها (بيجماليون) الراغب في قتلها , وانه نظرا لتبوث تاريخيا قيام هذه الأميرة باحراق نفسها هي ومن جاء معها ، لرفضها الاقتران بهذا الملك الذي طلب منها الزواج، فان قراءة التاريخ القديم قراءة سليمة تؤكد لنا أن لا علاقة للأميرة المذكورة ولا للفينيقيين بتأسيس مملكة قرطاج ، لأن التاريخ يشهد أن هؤلاء عندما جاؤوا الى تامازغا (شمال افريقيا) وجدوا مملكة (ايارباس) قائمة وقوية بجيشها وحدودها وكل مؤسساتها , وأنهم عندما احرقوا أنفسهم ، تركوا هذه المملكة التي استمرت في قوتها , بل وفي توسعها في ضفتي البحر الابيض المتوسط الجنوبية والشمالية , الى أن قضى عليها الملك الامازيغي ماسينيسـا بعد تحالفه مع الرومان .
ولكن رغم ان التاريخ يؤكد حقيقة وجود مملكة ( ايرباس ) القوية باستعمالها الفيلة في حروبها , وذلك قبل مجيء الاميرة الفينيقية , ورغم ان التاريخ يؤكد كذلك استمرار هذه المملكة بعد انقراض هذه الاميرة هي والفينيقيين الذين اتوا معها فان وزارة التربية الوطنية مع الاسف الشديد تصادق على كتب مادة التاريخ والاجتماعيات تدرس لناشئتنا تاريخا محرفا مفاده ان الاميرة (ديدون) هي التي اسست مملكة قرطاج وان مواطني هذه المملكة فينيقيون , اصلهم من مدينة (صور) اللبنانية .
ولذلك اعتقد انه ينبغي لهذه الوزارة ان تراجع الكتب الدراسية التي تختلس الحضارة القرطاجية من الامازيغ اهلها الحقيقيين , كما ينبغي لها ايضا ان تكف عن اعتماد معيار اللغة الايديولوجي الذي يلحق هذه الحضارة بالفينيقيين , لا لشيء الا لان الامازيغ اعتمدوا في بنائها على اللغة البونيقية , التي كانت في اصلها لغة عامية انبتقت من خليط من الفينيقية و الامازيغية.
هذا وأشير أن هذا اللاعدل واللاعلم في كتابة تاريخنا , قد تكرر أيضا مع ادريس الأول الذي علمتنا كتب التاريخ الايديولوجي ايضا , خرافة كونه مؤسس الدولة الإدريسية، مع العلم أنه كان بعيدا عن هذا التأسيس , لثبوت تاريخيا أنه لما جاء الى المغرب , وجد دولة قوية قائمة , بحدودها وبجيشها وبعاصمتها الراقية مدينة وليلي، وبقائدها عبد الحميد الأوربي ، هذه الدولة التي تشهد كتب التاريخ انها التي تولت حمايته متحدية الدولة العباسية التي يخشاها الجميع انذاك ، وانه في الوقت الذي يؤكد فيه التاريخ كذلك هذا الواقع , فان مؤسساتنا التعليمية ووسائل اعلامنا وغيرهما , تركت العلم , وتبنت الخرافة الايديولوجية التي توحي لناشئتنا ان المغرب كان عبارة عن قبائل بدوية مشتتة ومتصارعة , الى ان جاء ادريس الاول , فجمعها في دولة , وعلمها ان تعيش لاول مرة في مدينة راقية .
ومن هنا فان النزاهة العلمية تفرض كذلك على كل الوزارات المعنية ان تتخلى عن معيار الدم والنسب العرقي العربي لادريس الاول احد ملوك الدو لة الاوربية لاختلاس الدولة اوربية من الامازيغ مؤسسيها الحقيقيين , والحاقها ظلما بالعرب .
كما ان هذه النزاهة تفرض ايضا ان تسمى هكذا الدولة الاوربية , وليس الدولة الادريسية , لان الدول تحتفظ عادة باسم مؤسسيها الاولين , ولا يتغير اسمها بملوكها المتعاقبين , مهما بلغوا من قوة ومهما كان لهم من تاثير , بدليل ان الدولة العلوية بقيت محتفظة باسم مؤسسها الاول الذي لم يتغير ليحمل اسما اخر لاحد ملوكها العظام الذين تعاقبوا على عرشها , ولهذا لما كان ادريس الاول ملكا من ملوك الدولة الاوربية , فيجب ان يحتفظ لهذه الدولة باسمها الحقيقي , ولا يتغير ليحمل اسم هذا الملك .
ثانيا : ثم أن ما بناه الشعب الأمازيغي من ثقافة وحضارة بواسطة ملوكه ماسينيا وجوبا الأول وجوبا الثاني، وباخوس قبل الاحتلال الفعلي الروماني يجب أن يدمج في الحضارة الأمازيغية على الرغم من بناء هذه الحضارة باللغة اللاتينية وبالنمط الحضاري الروماني.
ثالثا : وأيضا ان الانتاجات الفكرية والإبداعية للكتاب والمبدعين الأمازيغ في عهد الاحتلال الروماني مثل القديس اوغسطين، وأبوليوس، ودوناتوس، واراطوسطينس وفرونطوماركوس وتيكينيوس وغيرهم يجب عدلا وانصافا ان تدخل في عداد الثقافة الأمازيغية وليس في عداد الثقافة الرومانية بالرغم من عدم انتاج هذه الابداعات باللغة الأمازيغية.
رابعا : وأخيرا فان كل ما أنتجه هذا الشعب في العهد الإسلامي بعد استقلاله عن الخلافة العربية في المشرق بواسطة اماراته ودوله وامبراطورياته انطلاقا من الدولة الأوربية (الإدريسية) مرورا بالدولة المرابطية والموحدية الى الدولة العلوية في عصرنا الحاضر يجب أن يدرج في خانة الحضارة الأمازيغية وليس في خانة الحضارة العربية لكي لا ندخل بذلك في اطار الاختلاس الحضاري الفج المضاد للعقل وللقانون الطبيعي.
وبعـــــــــــــد:
فان السبب في اختلاف تصور هذا المفهوم الجديد للحضارة الأمازيغية عن تصور المفهوم السطحي القديم هو اعتماده في تصنيف هوية الحضارات على معيار الشعب الحر المستقل، وليس على المعيار الفاسد المرتكز على الأصل العرقي أو النمط الحضاري أو اللغة المعتمدة في بناء الحضارات، الذي يستند عليه المفهوم الايديولوجي السابق في تصنيف الحضارة الأمازيغية.
وهكذا اذا ما طرحنا جانبا الصورة الخاطئة للشعب الأمازيغي الذي يختزله المفهوم القديم في سكان الجبال والمناطق النائية من شمال افريقيا فاننا بكل موضوعية وعلم ندرك أن حقيقة هذا الشعب تتشكل على النحو التالي:
(1-
انه الشعب الذي اتخد من أرض شمال افريقيا وطنا له منذ ان كان يتواصل فيه فقط بالإشارات، أي قبل توليده في نفس هذه الأرض لغته الأمازيغية التي تميزه عن باقي شعوب العالم.
(2-
ان هذا الشعب كان مثله مثل جل شعوب المعمور يغزو في فترات طغيانه أوطان شعوب أخرى مثلما فعل في عهد قائده (شيشونغ) الذي احتل أرض مصر مؤسسا فيها الأسرة الفرعونية الثانية والعشرين، وكما فعل أيضا في العهد القرطاجي حينما استولى على اسبانيا وجنوب ايطاليا، وبعض جزر البحر الأبيض المتوسط، ثم كما كرر هذا الفعل أيضا في العصور الوسطى حينما اكتسحت جحافل جيوشه أرض مصر والشام موطدة فيها دولته الفاطمية، وأخيرا عندما عادت جيوشه الى الأندلس بواسطة امبراطورياته المرابطية والموحدية، وطبعا في مقابل ذلك يخضع هو أيضا للغزو والاستعمار في فترات ضعفه وانقسامه، وقد كان أول استعمار تعرض له هو الاستعمار الروماني (وليس الفينيقي كما يعتقد) وآخره الاستعمار الفرنسي والاسباني والايطالي.
(3-
انه معروف بحرصه على حماية وطنه وسيادة كيانه، ومشهود له تاريخيا أنه لا يستكين أبدا اذا هوجم في أرضه، وأنه يظل يقاوم ويحارب المستعمر كيفما كان الى أن يستعيد حريته ولو كلفه ذلك زمنا طويلا وكفاحا مريرا، بدليل أنه كان آخر الشعوب التي خضعت للاستعمار الروماني وأول الشعوب المسلمة التي استردت سيادتها من الخلافة العربية في المشرق وأخذت تحكم نفسها بنفسها انطلاقا من الدولة الأوربية (الإدريسية) الى الدولة العلوية في العصر الحاضر.
(4-
أنه لم يعرف عنه قيامه بابادة الشعوب التي غزاها، كما لم يعرف عنه ايضا قيام أي غاز أو مستعمر بابادته كليا أو جزئيا، أو وقوع تهجيره من وطنه، وبذلك لم يكن مصيره شبيها بمصير الهنود الحمر في أمريكا أو الشعب الأسترالي الأصلي في قارة استراليا، وهذه الحقيقة تؤكد اذن أنه مثلما كان حائزا لوطنه في الماضي، فانه حائز له أيضا في الحاضر، مما يدل على أن كل مواطني شمال أفريقيا حاليا بدون استثناء هم الدين يشكلون لحمته ، واستمرار وجوده في أرضـه.
(5-
أنه كان لا يؤسس هويته الأمازيغية على عنصر العرق أو الجنس بل على الانتماء للشعب والوطن الأمازيغيين، ومن هنا يعتبر كل منتم لهما أمازيغيا ولو كانت أصوله العرقية من شعب آخر، مثلما يعتبر أن الأمازيغ القدامى المستقرين في الأندلس اسبانيي الهوية، والأمازيغ الفاطميين في مصر والشام مصريين وشاميي الهوية، ونفس الشيئ بالنسبة للأمازيغ المستوطنين في بلاد السينغال وفي دول افريقية أخرى.
وهكذا فان كل هذه الأسباب والحيثيات المؤسسة على حقائق موضوعية ثابثة تفضي بنا في خط مستقيم الى النتيجتين الهامتين التاليتين:
- الأولى هي كون المفهوم السابق لحضارتنا ليس سطحيا أو ايديولوجيا فحسب، بل هو خطير أيضا على وحدة شعبنا وعلى وحدة تاريخنا، لأنه يرسخ في الأذهان أن الشعب الأمازيغي شيء، والشعب المغربي والمغاربي شيء آخر، وأن الحضارة الأمازيغية شيء، والحضارة المغربية شيء آخر.
- أما النتيجة الثانية فهي أن الشعب الأمازيغي هو نفسه الشعب المغربي والمغاربي، وأنهما لا يختلفان الا في الاسم، وأن الحضارة الأمازيغية والحضارة المغاربية هما أيضا اسمان مترادفان لمسمى واحد
.
الصافي مومن علـــي











merci ssafi ca c’est la verite vive tamazight